الاندماج الكردي في الدولة السورية: تحديات وآفاق المستقبل.

🔴

يشهد تاريخ سوريا المعاصر مرحلة مفصلية، حيث يتداخل الحاضر بالماضي وتتراكم المصائر على مفترق طرق جديد يعيد رسم علاقات مكونات الدولة السورية، وفي القلب منها المكون الكردي. فبعد الاتفاق الذي تم في 18 يناير 2026، تلت التطورات التي بدأت بانسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من دير حافر ومسكنة، وتعرضها لهجوم من بعض أبناء العشائر العربية، سلسلة من الأحداث التي أظهرت تعقيد الوضع القائم. ومع تصاعد العنف، بدأ البحث عن حلول شاملة، ما أدى إلى التوقيع على اتفاق 29 يناير 2026، الذي نص على وقف إطلاق النار ودمج مؤسسات الإدارة الذاتية المدنية والعسكرية ضمن النظام السوري مع الحفاظ على خصوصية المنطقة الكردية.

🔴

جاء هذا الاتفاق ليعكس رغبة جميع الأطراف في دخول مرحلة جديدة من الاستقرار، رغم أن تطبيقه الكامل يحتاج إلى جهود مكثفة ووقت طويل. إلا أن الحقيقة الواضحة هي أن ما يحدث هو انتقال حقيقي نحو اندماج مؤسسات الإدارة الذاتية المدنية والعسكرية في النظام السياسي السوري، حيث لم تعد قسد أو الإدارة الذاتية كيانات مستقلة، بل جزءاً من البنية القانونية والدستورية للدولة السورية. وهو تحول جذري يتجاوز تغيير الأسماء والعناوين، ويتجه نحو الاندماج الكامل في النظام السوري.

🔴

إحدى النقاط الحاسمة في هذه العملية كانت اللقاءات بين هيئة رئاسة المجلس الوطني الكردي ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني والرئيس الانتقالي أحمد الشرع، والتي شكلت خطوة مهمة نحو إشراك الكرد في بنية الدولة السورية. كما يعد إصدار المرسوم الرئاسي 13 لعام 2026، الذي اعترف بوجود الكرد كجماعة أصلية في سوريا وأقر بلغتهم كلغة وطنية، تحولاً نوعياً في تاريخ القضية الكردية. وبالرغم من أن هذه الإجراءات تمثل بداية إيجابية، إلا أن الحل الكامل للقضية الكردية ما زال يتطلب خطوات إضافية.

🔴

ورغم ما حققته هذه الخطوات من تقدم، إلا أن الطريق أمامها مليء بالتحديات. فلا تزال قضايا مثل حقوق الكرد في مختلف المناطق السورية، وتوزيع السلطات والصلاحيات بين المركز والمحافظات، والعلاقة المستقبلية بين الكرد والدولة السورية بحاجة إلى معالجة شاملة، وهذا يتطلب إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف لتحقيق تغييرات جذرية.

🔴

من ناحية أخرى، تتطلب المرحلة الحالية تعزيز الثقة بين القوى الكردية المختلفة على اختلاف توجهاتها، وخلق بيئة مناسبة للتعاون بعيداً عن التصعيد السياسي. فالوضع الحالي يفرض على الكرد العمل من أجل تشكيل مرجعية موحدة تنسق المواقف وتدير التنوع الكردي في سوريا بما يتماشى مع مصالحهم القومية. هذه المرجعية ضرورية لدعم الموقف الكردي في المفاوضات مع الدولة السورية، وضمان حماية حقوقهم في إطارها.

🔴

في هذا السياق، تصبح الحاجة إلى رؤية موحدة للمستقبل السوري أمراً أساسياً. بحيث تتجاوز هذه الرؤية النموذج التقليدي للعلاقات بين المركز والأطراف، وأن تكون شاملة وتحتضن جميع الفئات والمكونات الاجتماعية داخل سوريا. ولتحقيق ذلك، يتطلب الأمر بناء توافق داخلي كردي يساهم في تعزيز موقفهم السياسي ويحولهم إلى شريك حقيقي في صناعة المستقبل.

🔴

وفي النهاية، يبقى الأمل مرهوناً في مستقبل أفضل للكرد في سوريا بالاستمرار في الحوار، ووجود إرادة سياسية حقيقية لإرساء أسس العدالة والمساواة لجميع مكونات المجتمع السوري.

بقلم : اكرم حسين

Share:

author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *