زينه عبدي
دمج بلا دستور.. الكورد في دوامة الإقصاء السياسي سورياً
في الوقت الذي أُعلِن فيه ضمن اتفاق بين السلطة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية مؤخراً في 30 كانون الثاني عن دمج الأخيرة الكامل ضمن هياكل السلطة، أفصح المشهد عن حالة أشد تعقيداً فيما يخص القضية الكوردية والدليل هو تقديم الملف الأمني على الملف السياسي، وهذا لا يحل النزاع القائم منذ الأزل لأن القضية الكوردية هي قضية هوية وقومية، لذا يجب الآن التخلص من حدود العقل التي تعيق حل ومعالجة القضية الكوردية.
ورغم شكلية الإعلان السياسية، إلا أنه يُستشَف منه انفصاله بشكل حقيقي عن الإطار الوطني الجامع والضامن الدستوري لحقوق الشعب الكوردي، ما يضعنا أمام تسوية أمنية وإدارية تُختزل بصيغ عسكرية ومؤسساتية أكثر منها سياسية متمثلة بالتمثيل الحقيقي للكورد داخل الدولة السورية القادمة مصحوبة بالاعتراف الدستوري بهويته وحقوقه. يبرز هنا الطرح متسائلاً: هل نحن أمام تسوية تاريخية جديدة بإطار شراكة حقيقية، أم مجرد تغيير في أدوات الإقصاء وإبقاء جوهر القضية مفرغاً من مضمونه تحت مسمى وحدة الأراضي السورية؟
الدمج العسكري دون عقد سياسي
لم يعد بالإمكان قراءة حالة الدمج بين السلطة الانتقالية وعلى وجه الخصوص وزارة الدفاع السورية و قوات سوريا الديمقراطية كمقاربة على المستوى التقني بغية بلورة مؤسسة عسكرية بإطار موحد، بل باتت إجراءً سياسياً من المستوى الأول داخل معادلات النفوذ السورية. فقوات سوريا الديمقراطية كانت الجناح العسكري لرؤية سياسية تشكلت في روجآفايي كوردستان تحمل في طياتها استراتيجية وبرنامجا عن شكل الدولة السورية القادمة مختلفا عن سابقها عبر طرح اللامركزية السياسية والمواطنة الفاعلة والشراكة الحقيقية بمنأى عن أي إقصاء. لذا ومن خلال الاتفاق يتضح لنا أنه عند الفصل بين الرؤية السياسية والعسكرية أثناء الدمج، فإننا نواجه مساراً حقيقيا لعدم الاندماج حيث إبعاد المسار العسكري عن سياقه السياسي الذي يعتبر الفيصل أثناء الحديث عن حل للقضية الكوردية، لذا لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض.
ما يثير حفيظتنا أن هذا الدمج يسري في مرحلة خالية من العملية الدستورية في سوريا، حيث غياب ملامح الدولة (في ظل غياب مقومات تشكلها) ضمن الأطر السياسية التي تجبر كافة الأطراف السورية على الاندماج في هيكليتها وأجهزتها عبر دستور، ضمانات للشعب الكوردي وغيره من المكونات وعقد اجتماعي مؤتمر وطني جامع لا إقصائي.
دعوة قوات سوريا الديمقراطية التي تعد أهم وسائل لحماية الوجود الكوردي وحضورهم السياسي التخلي عن قدرتها العسكرية تعتبر اختلالاً في توازن القوى السورية حيث الانتقال من جهة مفاوضة ومحاورة لاسيما سياسياً إلى تابع عسكري وأمني.
وفي ذات السياق، يمثل الدمج المطروح استدلالاً لاحتواء جهة عسكرية عملت باستقلالية تامة على مدار سنوات بدون الاعتراف الحقيقي بمصداقيتها السياسية التي كانت ولاتزال تناضل لأجلها، وهذا ما يناقض منطق بناء جيش سوري موحد على أسس وطنية. كما ويعتبر هذا الدمج إعادة تدوير لفصائل مسلحة كانت داخل الأراضي السورية خلال الأربعة عشر عاماً الماضية تعمل وفقاً لأجندات معينة لاسيما عند التغييب التام لضامن دولي حقيقي وليس بصورة رمزية يشرف على هذه العملية، بل ويعد استرجاعاً فعلياً لتقاسم السلطة بالعنفوان والصلابة، الأمر الذي يؤسس لإطار عمل مؤسساتي ذات ملكية فردية يمكننا وصفه بنشاط تجاري.
المركزية، غياب الاعتراف الدستوري وحوار وطني جامع وعقد اجتماعي لا يمثل الشعب، جميعها تعكس شكلاً ومضموناً إعادة صناعة وصياغة الهيكل القديم للاستبداد العفلقي الذي يستبعد القضية الكوردية ويرفض معالجة مطالب الكورد التاريخية عبر قناع جديد الذي يضع الكورد في مرحلة تأكيد تام لإقصائهم على نحوٍ أقل هرجاً وهياجاً. السؤال الذي يطرح نفسه، كيف يمكن دمج قوة تمثل شعب بأكمله، دون الاعتراف الحقيقي بقضيته؟
تفريغ القضية الكوردية
أن ما يجري ليس حلاً إطلاقاً، بل هو تفريغ لمضمون القضية الكوردية عبر بعض الأدوات الناعمة، حيث الاعتماد على اللغة الموحدة تحت مسمى الوحدة السورية أو الوطنية، ما يعكس انحلالاً لمفهوم اللامركزية السياسية أو الفيدرالية وتجريد الاعتراف بالكورد من معناه الحقيقي القانوني، ما يعني أن يحدث ليس سوى لعبة لتذويب الكورد في السلطة التي تسمّي نفسها الدولة السورية دون العمل على بناء الدولة الجديدة بمقومات تكسبها صفة الدولة.
غياب تعريف الدولة السورية الجديدة يهيئ لبنية خالية من أي فراغ سياسي، هذا التغييب المتعمد من قبل الجهة التي استلمت الحكم الانتقالي في دمشق يضع الشعب في حالة من الذعر حول ماهية إطار وشكل الدولة القادمة من المركزية أو اللامركزية، هل ستكون دولة حقيقية جامعة وفقاً لركائز المواطنة والشراكة الحقيقية أم أنها ستعيد تدوير الدولة الأسدية بواجهة مختلفة، هنا ينبثق التساؤل الجوهري الذي يشكل خللا رئيسياً في عملية الدمج النظرية وإلى اليوم الذي يتم فيه الدمج حالياً في مدينتي الحسكة وقامشلو: مع أي نظام أو كيان سياسي نلتحم؟
المفارقة بين الواقع والخطاب
المشهد في روجآفايي كوردستان يعكس واقعاً مناقضاً تماماً للخطاب الرسمي، لاتزال بعض المناطق من كوباني الكوردية تتعرض للقصف من قبل الفصائل التابعة لوزارة الدفاع السورية وأيضاً مناطق من ريف كركي لكي المحاذية لرميلان، ومحيط مدينة الحسكة، الأمر الذي يبرز الغياب الفعلي للضمانات الحامية للشعب الكوردي في ظل التعثر السياسي.
رغم عملية الدمج التي تحصل حاليا في مدينة الحسكة اليوم، إلا أن المخاوف في أوجها والشعب الكوردي لايزال في خطر وجودي حقيقي بسبب خطاب الكراهية الجديد والمعاد تدويره من قبل السلطة وإعلامها غير الملتزم بالمعايير المعنية والأخلاقية، وانشقاق نسبة كبيرة من العرب من صفوف قوات سوريا الديمقراطية، ما بلور لدى الكورد تهديدات وجودية في ظل غياب الثقة بالسلطة الجديدة كونها انتهكت اتفاقات مسبقة متجاوزة تنفيذ بنودها بغية الهيمنة بالقوة كما قبل 2011. عملية الدمج التي تتم بإشراف دولي اليوم سيبقى خطوةً رمزية في حال الدهس على الضمانات الدولية التي طرحت من قبل القوى الخارجية التي وعدت بمعالجة عمق التعقيدات السياسية بين الكورد والسلطة الانتقالية.
من يقرر مصير الكورد؟
باتت التساؤلات واضحة حول مصير الشعب الكوردي وقضيتهم. فمصير هذه القضية لم يعد شأناً داخلياً وعملية الدمج لم تكن قراراً سوريا فحسب، بل صارت قضية على مستوى العالم متأثرة بتوازنات دولية لاسيما أميركا وتركيا وروسيا التي باتت تنظر للملف الكوردي كموضوع استراتيجي وأمني وفقاً لمصالحها وكأن الدمج هي ثمرة التوافق الثلاثي، ما يغلب لدى الرؤية الكوردية غياب الحل السياسي الذي يضمن وجودهم والاعتراف بهم دستورياً والشراكة الحقيقية في سوريا الجديدة. لكن الدور الإيجابي الذي لعبه اقليم كوردستان عبر التحركات الديبلوماسية من قبل قادة الإقليم مع عدة دول لضمان حماية الكورد وعدم المساس بهم وأيضا التضامن الكوردي والإقليمي والدولي، شكل دعامة حقيقية لتغيير المعادلة في تقرير مصير هذا الشعب الأعزل الذي لايزال في تحدٍّ مباشر مع السلطة الانتقالية سياسياً وأمنياً.
ختاماً، تبقى مسارات الدمج بين السلطة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية مجرد تصرف تمهيدي وبدائي لن يصل لأدنى درجات المعالجة والحل للقضية الكوردية ما لم ترافق بتوافقات سياسية تضمن الاعتراف الدستوري بحقوق الشعب الكوردي وتحقيق للمواطنة والشراكة المتكاملة، ودون ذلك لن تتحقق دولة ما تسمى “سوريا” مستقبلاً.
في ظل التطورات المؤلمة التي تشهدها محافظة الحسكة، وما يرافقها من توتر عسكري وتصعيد بين…
صراع مفتوح على مستقبلٍ مجهول. إسرائيل – الكرد – الأسد: ما يجري اليوم في المنطقة،…
في ظل غياب الشفافية بين دمشق و"قسد": تفاهمات تحت خط النار ؟ رغم مرور عدة…
مستقبل سوريا 2026.. التحديات والفرص في ظل التحولات الإقليمية والدوليةتحديات الأمل وآفاق البناء تحدث المنسق…
تشهد الساحة السياسية الكردية في سوريا تراجعاً ملحوظًا في انخراط الشباب ضمن تنظيمات وأحزاب الحركة…
زيارة الوفد السوري إلى موسكو… إعادة تشكيل التحالفات وتوازنات الإقليم جاءت زيارة الوفد السوري الرفيع…