صراع مفتوح على مستقبلٍ مجهول.

  • إسرائيل – الكرد – الأسد:

ما يجري اليوم في المنطقة، وتحديدًا في المثلث الحساس: إسرائيل – الكرد – نظام الأسد ليس صراعًا عابرًا ولا حربًا تقليدية يمكن قياسها بمن ينتصر ومن ينهزم. نحن أمام مشهدٍ مركب، تتداخل فيه الهويات والمصالح، والتاريخ، والخوف، والسياسة طويلة النفس حرب لا تُدار فقط بالسلاح، بل بالعقول وبالإنهاك، وبإبقاء المستقبل غامضًا
هذا التقرير ليس تلخيصًا لكتب، بل قراءة عميقة لما خلف السطور ومحاولة لفهم: ما الذي يحدث؟ ولماذا؟ وإلى أين تتجه المنطقة؟

أولًا: الكرد في خطاب الأسد – بين الاعتراف والتوظيف

  • 1973 – مقابلات حافظ الأسد السياسية: صرّح حافظ الأسد في أكثر من خطاب ومقابلة رسمية بأن الكرد مكون أساسي من الشعب السوري وليسوا ضيوفًا هذا الاعتراف بقي في إطار الخطاب دون أن يترجم إلى تشريعات أو حقوق سياسية فعلية
  • سياسة الدولة بين السبعينات والتسعينات: رغم الحديث عن التعددية، استمرت سياسات الإقصاء (الإحصاء الاستثنائي تقييد اللغة والثقافة)، ما كشف التناقض بين الخطاب العلني والممارسة الواقعية وهو التناقض نفسه الذي يظهر اليوم بصيغة أعنف وأوضح.

هذا الاعتراف ظاهريًا يبدو تقدميًا ومنفتحًا، لكنه عمليًا لم يتحول يومًا إلى حقوق حقيقية أو شراكة سياسية عادلة الكرد ظلوا:

  • معترفًا بوجودهم
  • منفيين عن قرارهم
  • ومحرومين من حقهم في تقرير مصيرهم الثقافي والسياسي.

نظام الأسد تعامل مع الكرد كـ ورقة توازن: يستخدمهم عند الحاجة ويهمشهم عند الاستقرار، ويقمعهم عندما يطالبون بحقوقهم.
اليوم، السؤال الأهم ليس: ماذا قال الأسد؟ بل: من يمثل الأسد الآن؟ وهل بقي من هذا الخطاب شيء سوى كونه ذاكرة سياسية؟

ثانيًا: الكرد – هوية تبحث عن اعتراف لا عن عداوة

مؤتمرات الجاليات الكردية (واشنطن – باريس – جنيف 2000–2020): ركز الخطاب الكردي في المؤتمرات والبيانات الرسمية على مطالب محددة: الاعتراف الدستوري، اللامركزية، وحماية الهوية الثقافية، مع تأكيد متكرر على أن القضية الكردية ليست انفصالية بل قضية حقوق وشراكة.

ما بعد 2011: مع تصاعد الصراع في سوريا، واجه الكرد أشكالًا مضاعفة من الإقصاء والاتهام، رغم دورهم في محاربة الإرهاب وحماية مناطقهم. هذا عزز خطابهم القائم على: نحن نطالب بالاعتراف لا بالعداوة، وبالأمان لا بالهيمنة.

الكرد، في خطابهم التاريخي لم يقدموا أنفسهم كأعداء للعرب بل كـ شركاء جغرافيا وتاريخ:

  • نحن والعرب إخوة ولسنا أعداء.
  • لكن المأساة أن هذه الأخوة لم تترجم إلى:
  • عدالة سياسية،
  • ولا مساواة قانونية
    •ولا حماية حقيقية وقت الأزمات.

اليوم، الكرد يقفون في موقع شديد الحساسية:
محاصرون بين أنظمة تخاف من هويتهم،

وقوى دولية تستخدمهم ثم تتخلى عنهم،

وشعوب تطالب منهم دائمًا التضحية دون مقابل.

ومع ذلك، لا تزال القضية الكردية قضية بقاء، لا عدوان.

ثالثًا: إسرائيل – خطاب السلام وممارسة القوة الهادئة

الخطاب السياسي الإسرائيلي منذ التسعينات: في تصريحات رسمية وظهور إعلامي متكرر، أكدت إسرائيل أن تدخلاتها تأتي تحت عنوان الأمن ونشر الاستقرار هذا الخطاب تكرر في المؤتمرات الدولية والمنتديات الأمنية.

الاستراتيجية العملية: تاريخيًا، لم تعتمد إسرائيل الحسم السريع بل إدارة الصراعات طويلة الأمد عبر إضعاف الخصوم ومنع تشكل قوة إقليمية موحدة، وهو ما يفسر غياب النهايات الواضحة في حروبها.

إسرائيل تقول:

  • نحن من سينشر السلام في العالم.

لكن هذا السلام كما يظهر في الواقع ليس سلامًا أخلاقيًا، بل سلام مصلحة إسرائيل لا تتوسع بالصراخ بل:

  • بخطوات هادئة
  • باستراتيجيات طويلة الأمد
  • وبإضعاف الخصوم من الداخل بدل المواجهة المباشرة.

هي لا تبحث عن حرب تنتهي بل عن:
صراعات تبقى تحت السيطرة، دون حسم نهائي.

ولهذا، تبدو حروبها مختلفة:

•لا تبدأ فجأة

  • ولا تنتهي بانتصار واضح
  • بل تدار كملف مفتوح بلا خاتمة.

رابعًا: لماذا هذا الصراع بالذات لا ينتهي؟

في العالم حروب أعنف وأكثر دموية لكن هذا المثلث تحديدًا يبدو وكأنه محكوم بالاستمرار والسبب ليس القوة بل:

  • تضارب المصالح
  • غياب مشروع جامع
  • وخوف كل طرف من أن انتصار الآخر يعني نهايته.

🔴 الأسد:
لا يريد حلًا، لأن الحل يعني محاسبة.
🔴 الكرد:
لا يستطيعون التراجع، لأن التراجع يعني الذوبان.
🔴 إسرائيل:
لا تريد نهاية، لأن النهاية تُنهي قدرتها على التحكم بالمسار.
وهكذا، تستمر الحرب… بلا أفق، بلا نصر، وبلا سلام.
خامسًا: الحرب خلف الشاشات الجهل المدار

ما نراه على الشاشات ليس الحقيقة الكاملة الحقيقة تدار في:

  • غرف مظلمة
  • صفقات صامتة
  • وتفاهمات لا تُعلن

الشعوب تترك في الظلام، بينما:
يُغذى الخوف
ويُضخ الجهل
ويُقدم الصراع كقدر لا مفر منه.
وهنا تكمن أخطر نقطة:
عندما يعتاد الناس الحرب، تصبح السلام فكرة غريبة.

سادسًا: إلى أين الوجهة؟ المستقبل المجهول

المستقبل القادم لا يبدو مشرقًا، لكنه ليس مغلقًا بالكامل نحن أمام احتمالات:

استمرار صراع منخفض الحدة طويل النفس.

تفكك داخلي أكبر في الدول الهشة.

إعادة رسم النفوذ لا الحدود.

لكن المؤكد أن:

لن يسقط طرف واحد، ولن ينتصر طرف واحد.

السقوط سيكون تدريجيًا والانتصار سيكون ناقصًا والخسارة الأكبر ستبقى من نصيب الشعوب.

هذا الصراع ليس بين ثلاثة أطراف فقط، بل بين:

  • الحقيقة والزيف
  • الوعي والجهل،
  • والحقوق والمصالح.

والمستقبل مهما بدا مظلمًا لن يُرسم بالسلاح وحده بل:

بمن يملك الوعي والصوت والقدرة على كسر الصمت.

توضيح ختامي بقلم الباحثة: هيلين هسام.

قد يتساءل البعض: لماذا أدرجت نظام الأسد البعثي القديم ضمن هذا التقرير رغم تغير الوجوه والمرحلة؟
والجواب ليس سياسيًا سطحيًا، بل نابع من قراءة وتحليل عميقين لأن ما يجري اليوم على أرض الواقع من سياسات واستراتيجيات وخطوط عامة ليس قطيعة مع الماضي بل امتداد للفكر نفسه الفارق الوحيد هو أن الوجوه تغيرت، والأساليب تطورت بينما الجوهر بقي واحدًا
الفكر البعثي القديم حاول في مرحلةٍ ما أن يظهر نفسه كنظامٍ مثالي: داعم للتعددية، حامٍ للأديان والطوائف، وضامنٍ للاستقرار لكن ما نراه اليوم هو التجسيد الحقيقي لذلك الفكر بعد أن سقط القناع لم يعد هناك تمثيل ولا شعارات بل واقع مكشوف يقوم على:

  • تعميق الانقسام الطائفي
  • ترسيخ الخوف وعدم الأمان
  • وتحويل الصراع إلى حالة دائمة.

ما تغير ليس الفكرة بل درجة العنف ووضوحها وما تصاعد اليوم من مجازر وحروب طائفية لم يكن نقيضًا لذلك الفكر بل نتيجته المتأخرة.
هذا التقرير لم يُكتب بدافع الاتهام، ولا بدافع التبرير، بل ثمرة قراءة وبحث وتعبٍ فكري طويل. هو محاولة لفهم ما وراء المشهد، وربط الماضي بالحاضر، لأن من لا يقرأ الجذور، لن يفهم ما يحدث أمام عينيه.
هذا ما وصلتُ إليه، وهذا ما أقدمه اليوم للقارئ لا كحقيقة مطلقة بل كمسؤولية فكرية وصرخة وعي وبحثٍ عن معنى وسط هذا المستقبل المجهول.

بقلم : هيلين هسام

Share:

author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *