الكاتب : جمال مرعي
=============
تمرّ كوردستان سوريا في هذه المرحلة بأكثر فصولها حساسية وتسارعًا منذ سنوات. أحداث متلاحقة، تحولات ميدانية مفاجئة، واتفاقات سياسية ترسم ملامح واقع جديد. فمن المواجهات بين قوات قسد والسلطة السورية بقيادة أحمد الشرع، إلى اللقاءات السياسية بين المجلس الوطني الكوردي برئاسة محمد إسماعيل والرئاسة السورية، دخلت المنطقة مرحلة إعادة تموضع شاملة.
بدأت الشرارة من أحداث شيخ مقصود والأشرفية في حلب، التي انتهت بخروج عناصر قسد من تلك الأحياء، لتتوسع رقعة التوتر إلى دير حافر والطبقة والرقة ودير الزور، وصولًا إلى كوباني التي تعيش حتى اليوم لحظات حصار وقلق. ثم جاء الانسحاب التدريجي لقوات قسد من غرب وشرق الفرات حتى الحسكة، في خطوة لم تكن معزولة عن السياق السياسي الإقليمي والدولي.
الاجتماع المفصلي في إقليم كوردستان بين الرئيس مسعود بارزاني، وقائد قوات قسد مظلوم عبدي، وإلهام أحمد، وبحضور الوفد الأمريكي بقيادة توم براك، كان نقطة التحول. الإعلان عن انسحاب الولايات المتحدة من سوريا، وتحميل القيادة السورية مسؤولية مكافحة الإرهاب ضمن إطار سوريا دولة واحدة لكل المكونات، مهّد لاتفاق 29 شباط 2026 بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي، وما تبعه من إعلان وقف إطلاق النار.
الاتفاق، المؤلف من أربعة عشر بندًا، حمل بنودًا حساسة أبرزها دمج قوات قسد في وزارة الدفاع السورية، ودمج قوى الأمن الداخلي (الآسايش) في وزارة الداخلية، وتعيين محافظ من قسد في الحسكة، وتشكيل ألوية جديدة ضمن هيكل الدولة. إنها تحولات كبيرة تعني انتقال الملف الكوردي في سوريا من منطق القوة المنفردة إلى منطق الشراكة المشروطة.
ولولا حكمة القيادة في إقليم كوردستان، وعلى رأسها الرئيس مسعود بارزاني، وتحركه السياسي والدبلوماسي الواسع، لكانت كوردستان سوريا أمام سيناريوهات دامية. كما تواصلت جهود رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني في تثبيت الاستقرار، بالتوازي مع الحراك الشعبي الكوردي في الداخل والمهجر، حيث ارتفع العلم الكوردي في ساحات ومدن أوروبية عديدة، في رسالة واضحة أن القضية الكوردية حية في الضمير العالمي.
وصول المساعدات من إقليم كوردستان العراق إلى قامشلو وبقية المدن، في ظل وجود أكثر من مائتي ألف لاجئ كوردي، أكد أن التضامن القومي ليس شعارًا بل مسؤولية عملية. كما أن المشاركة في المؤتمر العالمي لمكافحة الإرهاب في مدينة ميونخ الألمانية، واللقاءات بين وزير الخارجية السوري أسعد شيباني، ومظلوم عبدي، وإلهام أحمد، مع مسؤولين أمريكيين وأوروبيين، تعكس انتقال الملف إلى مستوى دولي أكثر وضوحًا، ومؤشرات إيجابية نحو تهدئة مستدامة.
، ومع وصول قوات الأمن العام إلى الحسكة لبدء إجراءات الدمج، تدخل المنطقة مرحلة جديدة. مرحلة اختبار النوايا، وبناء الثقة، وحماية الحقوق ضمن معادلة الدولة.
لكن في خضم كل ذلك، يجب قول الحقيقة بوضوح: الشعارات التي لا تحمي الأرض ولا تصون الإنسان تفقد معناها مع الزمن. المرحلة تحتاج واقعية سياسية، وحدة موقف، وتغليب المصلحة القومية على الحسابات الضيقة. لقد أثبتت التجربة أن الكوردي حين يتخلى عن وحدته يخسر، وحين يتكاتف يفرض حضوره.
في زمن التحولات الكبرى، لا مكان للأوهام. البقاء يكون بالحكمة، بالقوة المنظمة، وبالاعتماد على الذات أولًا وأخيرًا.
ففي النهاية… لا أحد سيحمي الكوردي إن لم يحمي الكوردي نفسه

بقلم : جمال مرعي