زيارة الوفد السوري إلى موسكو… إعادة تشكيل التحالفات وتوازنات الإقليم

جاءت زيارة الوفد السوري الرفيع إلى موسكو، التي ضمّت وزير الخارجية ووزير الدفاع ومسؤولين في الأجهزة الأمنية، في توقيت بالغ الحساسية إقليمياً ودولياً. فهي ليست زيارة بروتوكولية عادية، ولا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات الجارية في المشهد السوري بعد سنوات من العزلة والعقوبات، ولا عن انشغال روسيا بأولوياتها الدولية، ولا عن إعادة ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط.

تطرح الزيارة أسئلة جوهرية حول طبيعة العلاقة السورية–الروسية في المرحلة المقبلة، وحدود التحوّل الممكن في هذا التحالف، وانعكاساته على الملفات الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها الملف الكردي، والتوازنات مع تركيا وإيران والخليج والولايات المتحدة. وأحاول في هذه المقالة تقديم قراءة تحليلية هادئة، تستند إلى تصريحات رسمية ومواقف معلنة، بعيداً عن المبالغة أو الاستنتاجات المتسرعة.

أولا ً: العلاقة السورية–الروسية … من إدارة الصراع إلى إدارة المصالح

تشير التصريحات الروسية، ولا سيما الصادرة عن وزير الخارجية سيرغي لافروف ونائبه ميخائيل بوغدانوف، إلى أن موسكو تنظر إلى سوريا اليوم بوصفها ملفاً يجب تثبيته لا توسيعه. فالأولوية الروسية لم تعد عسكرية بحتة، بل سياسية–أمنية تهدف إلى الحفاظ على النفوذ بأقل كلفة ممكنة، في ظل الانشغال بالحرب في أوكرانيا وتداعياتها.

في المقابل، يعكس الخطاب السوري الرسمي توجهاً نحو إعادة صياغة العلاقة مع موسكو على قاعدة المصالح المتبادلة، لا منطق التبعية. فدمشق، التي تدخل مرحلة ما بعد العقوبات والانفتاح العربي النسبي، تسعى إلى تنويع شراكاتها دون التفريط بتحالفها الأهم.

وعليه، يمكن فهم الزيارة بوصفها انتقالاً من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة إدارة المصالح، مع الحفاظ على التحالف الاستراتيجي كإطار عام، لكن مع إعادة ضبط سقوفه السياسية والاقتصادية.

ثانياً : التعاون العسكري والأمني… استمرارية مع إعادة تنظيم

وجود وزير الدفاع ومسؤولين أمنيين ضمن الوفد يؤكد أن البعد العسكري لا يزال محورياً في العلاقة بين الطرفين. إلا أن التصريحات الروسية تشير بوضوح إلى أن التنسيق العسكري بات يركّز على مكافحة الإرهاب ومنع عودة الفوضى، لا على توسيع العمليات أو الانخراط الميداني الواسع.

وتذهب التقديرات إلى أن النقاشات تناولت إعادة تنظيم آليات التنسيق، وضبط الانتشار العسكري بما ينسجم مع التفاهمات الإقليمية، خصوصاً في الشمال السوري. وهو ما يعكس توجهاً نحو إدارة الاستقرار لا فرض وقائع جديدة بالقوة.

ثالثا ً: الاقتصاد وإعادة الإعمار… واقعية روسية وطموح سوري

في الملف الاقتصادي، تبدو موسكو أكثر حذراً من الخطاب السوري. فالمسؤولون الروس يربطون أي انخراط واسع في إعادة الإعمار بتهيئة البيئة القانونية والاستثمارية، وبوجود شركاء آخرين، عرب أو دوليين.

أما دمشق، فترى في روسيا شريكاً أساسياً، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن مرحلة التعافي الاقتصادي تتطلب تنويع الشركاء، واستقطاب الاستثمارات العربية، وعدم حصر الاقتصاد السوري في دائرة ضيقة من التحالفات.

وبين الحذر الروسي والطموح السوري، تبدو الزيارة خطوة تمهيدية لا أكثر، تفتح الباب ولا تقطعه، وتؤسس لمسار طويل ومعقّد.

رابعاً : الملف الكردي… إدارة التوازن لا الحسم السريع

يحضر الملف الكردي بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في أي نقاش سوري–روسي. فموسكو، وفق تصريحات مسؤوليها، ترفض أي مشاريع انفصالية، لكنها في الوقت نفسه تدعو إلى حوار بين دمشق وممثلي المكوّن الكردي ضمن إطار الدولة.

الدعم الروسي يمنح دمشق موقعاً تفاوضياً أفضل، لكنه لا يلغي الحاجة إلى تسويات تدريجية، تقوم على صيغ من اللامركزية الإدارية، كما يطرحها المسار الأممي، دون المساس بالسيادة.

خامساً : تركيا… قلق محسوب وقنوات مفتوحة

تراقب أنقرة أي تقارب سوري–روسي من زاوية أمنها القومي. وتشير التصريحات التركية إلى أن الملف الكردي يظل المحدد الأساسي لموقفها. في المقابل، تحاول موسكو لعب دور الوسيط، مؤكدة أن معالجة الهواجس التركية تمر عبر الدولة السورية، لا عبر عمليات عسكرية دائمة.

سادساً : إيران والخليج… توازنات دقيقة

لا تعارض إيران التقارب السوري–الروسي طالما لا يمس نفوذها الأمني، لكنها تراقب بقلق أي توسع روسي اقتصادي قد يحد من حضورها. في المقابل، تنظر دول الخليج إلى المشهد السوري الجديد ببراغماتية، حيث يجري ربط الانفتاح الاقتصادي بمسار سياسي مستقر وبيئة استثمارية واضحة.

سابعاً : الولايات المتحدة… حضور محدود ومراقبة دائمة

تؤكد واشنطن، في تصريحات مسؤوليها، أنها لا تنوي الانخراط بعمق في الملف السوري، مع استمرار تركيزها على محاربة الإرهاب. لكنها تراقب عن كثب أي ترتيبات تتعلق بالشمال الشرقي، ما يضع حدوداً لأي تفاهمات روسية–سورية واسعة.

خاتمة …

تدلّ زيارة دمشق إلى موسكو على مرحلة إعادة تموضع محسوبة، لا انقلاب سياسي شامل. فهي تعكس رغبة سورية في توسيع هامش الحركة، ورغبة روسية في تثبيت النفوذ بأقل كلفة، ضمن بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

السيناريو الأرجح هو استمرار الشراكة السورية–الروسية ضمن سقف مستقر، مع انفتاح اقتصادي تدريجي وتوازنات إقليمية دقيقة. أما أي تحوّل جذري، فيبقى رهناً بتغيرات أوسع في المشهدين الإقليمي والدولي.

بقلم : جنيد سيد مجيد

Share:

author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *